يحيي بن حمزة العلوي اليمني

205

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أولا . « يضرب الله الحق والباطل » يريد أن الحق مشابهته للسيل من جهة صفائه وركوده ، وكثرة الانتفاع به ، وأن الباطل يشبه الزبد ، في خفته وجفافه ، وطيرانه ، بهبوب الريح ، وقلة الجدوى فيه ، وقد أشار تعالى إلى ما ذكرناه من حالهما بقوله : « فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض » فهذا ما تقتضيه الآية من جهة ظاهرها ، وهو السابق إلى الأفهام ، وأما قوله تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فهي جملة معترضة بين المثال ، والممثول في السيل ، والزبد ، للحق والباطل . التقرير الثاني : من جهة الكناية ، وهو أن يكون قد كنى بقوله « ماء » عن العلم ، وبالأودية عن القلوب ، وبالزبد عن الضلال ، وهذه الآية قد ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالي في كتابه الذي لقبه بجواهر القرآن ودرره ، وأشار فيها إلى أن في القرآن إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت فنقول : المعتمد فيما يقبل من التأويل ، وما يعول عليه من ذلك ، هو أن ما كان من المعاني محتملا لحقيقة اللفظ أو لمجازه ، فهو مقبول يعول عليه ، وما كان من التأويلات لا يحتمله اللفظ من جهة حقيقته ، ولا مجازه فهو مردود على قائله ، فهذا هو الأصل والقاعدة فيما ذكرناه ، ولو ساغ تأويل القرآن على ما لا يحتمله اللفظ مجازا ولا حقيقة ، لساغ للباطنية ما يزعمونه ، من تأويل العصا بالحجة ، والثعبان بالبرهان ، في قوله تعالى : فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الأعراف : 107 ] والمراد بالأنهار العلم في قوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [ محمد : 15 ] إلى غير ذلك من التأويلات المستهجنة ، وهذا يفتح علينا بابا من علم التأويل ويحرك قطبا من مسائله استقصاؤها يخرجنا عن مقصد الكتاب ، وقد ذكرنا منه طرفا أودعناه كتاب المشكاة في الرد على الباطنية ، فالتأويل في الآية إن استعمل مجازا وإن بعد وكان غريبا قبلناه ، وإن لم يكن مستعملا في المجاز رددناه ؛ حراسة للتنزيل عن التأويلات الركيكة ، وصونا لمعانيه عن المحتملات الرديئة الفاسدة . فأما الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله فإنه إن أتى بغريب من التأويل وبعيده فلأنه لا وطأة له في علم البيان ، وإخاله لم يتغلغل في كنه أسراره ، ولا خاض في غمرات بحاره ، ومن ذلك قوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [ الأحزاب : 27 ] فظاهر الآية دال على أن الأرض هي العقارات ، والديار هي المساكن ، والأموال هي المنقولات ، وقوله : وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يحتمل أن يكون كناية عن فروج النساء ونكاحهن ، وهذا من جيد الكناية ونادرها ، لمطابقتها لقوله تعالى : نِساؤُكُمْ